مأساة الطبيب الجزائري

كتبت المقال منذ شهر لكن تأخر نشره على موقع مدونات الجزيرة لإيصال القضية لذلك أعتذر على التأخير

« إضراب أطباء يدخل شهره الثامن في 2018 » لا يحدث هذا إلا في الجزائر، حيث قدرتك على الفساد والإفساد والغش والأنانية والتهريج هي ما يجعلك ذا مكانة ورأي في البلاد، أما أن تكون طبيبا أو أستاذا فأنت مجرد عبد يُضرب ظهرك ويُؤكل حقك وتُهمش وتتعرض للتجاهل التام ولا اعتبار أبدا لرأيك وحقوقك.

منذ ثمانية أشهر دخل الأطباء المقيمون بالجزائر -وهم أطباء أنهوا سبع سنوات من الطب العام يتكونون في اختصاص طبي معين- في إضراب مفتوح مطالبين بمطالب معقولة، فالطبيب المقيم هو العامل الجزائري الوحيد المطالب بخدمتين -خدمة وطنية عسكرية لمدة سنة وخدمة مدنية طبية لمدة تتراوح من سنة إلى أربع سنوات- حتى يتمكن من العمل والحصول على شهادة التخصص، والطبيبة المقيمة هي العاملة الوحيدة التي لها الحق في شهر واحد فقط كعطلة أمومة مقابل 98 يوم لبقية العاملات، وعندما دخل المقيمون الاضراب ظنوا أن مطالبهم السهلة بالمساواة بينهم وبين العمال الآخرين ستتحقق بسرعة وأن وزراءهم كوزراء السويد وفرنسا وألمانيا، فإذا بهم يُصدمون بالتجاهل التام وعصي الشرطة والاتهام باللاإنسانية وتصريحات المهرجين.

لقد أسمعت لو ناديت حيـا ولكن لا حياة لمـن تنـادي.
ولو نارٌ نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في الرمـادِ.
لتصبح طبيبا في الجزائر عليك أولا أن تضخ عقلك بالمعلومات خلال 12 سنة في المدرسة بأطوارها الثلاثة، حيث أن المنظومة التعليمية فاشلة فشلا ذريعا، ولا أدل على هذا من احتلال الجزائر أدنى المراتب عالميا في التعليم -أو بالأحرى تكديس المعلومات-، ولا همَّ للوزارة الوصيّة سوى نزع البسملة من الكتب المدرسية ونزع التربية الاسلامية من المقرر، ثمَّ عليك أن تتحصل على نقاط مرتفعة في الباكالوريا حتى تتمكن من دخول كلية الطب، وبعدها تبدأ دراسة الطب في كليات لا تحوي في كثير من الأحيان حتى على مجهر صالح أو هياكل عظمية أو حواسيب، ولا داعي للخوض في المستوى التكويني بهذه الكليات وبالبحوث العلمية « الراقية » التي تقوم بها، ثم بعد ست سنوات -وهي الفترة التي تنتهي بها دراسة الطب في معظم جامعات العالم- عليك أن تعمل كالعبيد لعام سابع كطبيب داخلي قبل حصولك على الشهادة، حيث تحصل على راتب شهري يقدر بـ2000 دينار جزائري -حوالي 18 دولار- ولا تتعلم خلاله إلا كتابة ملفات المرضى ونقلهم ومساعدة عون الأمن وسائق الإسعاف وإهدار عمرك ومالك في المناوبات التي تتجاوز 24 ساعة وبعض فُتات العلم. ثم عليك بعدها أن تخوض امتحان التخصص، والذي يخلو في عدة كليات من كل معايير التقييم العلمي، حيث يمكنك النجاح فيه بمجرد حفظك حفظا بليدا -غصبا عنك- لأسئلة امتحانات فرنسا للطب خلال ثمانينيات الألفية الماضية أو ما يسمى بـ diagest وهذا لكي تترقى في مراتب العبودية لوزارة الصحة وتصير طبيبا مقيما تقوم بالأعمال الشاقة خلال 4 إلى 5 سنوات إضافية.

ثم بعدها عليك أن تقوم بالخدمة المدنية وهي حسب الحكومة رد جميل لما صرفته من أموال على تكوينك -وكأن التخصصات الأخرى لم تصرف الحكومة على تكوينها!!- وهي سياسة قديمة مهترئة وفاشلة أكل عليها الدهر وشرب لحل مشكل التصحر الطبي، حيث تقوم الوزارة بإرسالك -في معظم الأحيان- لمناطق معزولة قد لا يوجد بها أطباء أو عتاد أو تحاليل طبية، فلو كنت جراح أعصاب مثلا فإن كل السنوات التي قضيتها في التكوين وفي عمليات جراحية طويلة وشاقة ستنتهي بك إما بعدم توفر جهاز أو طبيب أشعة أو تحليل أو أدوات جراحية أو غياب طبيب تخدير، وبالتالي فلن تفعل خلال هذه الخدمة شيئا سوى إرسال المرضى لمستشفيات تبعد مئات الكيلومترات، والقيام بدور الدرع الذي يُخفي عيوب المنظومة الصحية بكون الدولة « وفرت » جراحا للأعصاب لهذه المناطق النائية، فتخيل بعد 24 عاما من الأحلام والدراسة المتواصلة تقف أمام مريض مصاب بسرطان في الدماغ وتقول له بحرقة « ليس عندي ما أعالجك به من أدوات وأجهزة » أو « لم يعلمني أحد كيف أستأصل هذا النوع من الأورام »؟؟ وما هذا إلا مثال وقس على ذلك باقي التخصصات، وقس على 24 ساعة وسبع أيام في الأسبوع، ثم بعد كل هذه السنوات من التعب والإرهاق والليالي البيضاء تجد الخدمة العسكرية في انتظارك حتى لو كنت غير مؤهل لها، لأنك طبيب ومثلك مثل العصاة لا حق لك في الإعفاء دون غيرك من المواطنين، لأن وزارة الدفاع تحتاج لأطباء بأجر يعادل 160 دولار شهريا فقط؟؟

والأدهى والأمر أن الكثير من المواطنين صار يظن الطبيب آلة ينبغي أن يتواجد بكامل قواه وتركيزه في كل وقت وألا ينام ويأكل، لأنه إن أكل أثناء المناوبة التي قد تتجاوز 24 ساعة فسوف يُصوَّر ويُسخر منه على مواقع التواصل وكأنه وزير؟؟ وصار كل نقص في التحاليل أو عتاد الأشعة أو الفحوص الطبية يقع على عاتق الطبيب ويُتهم بأنه لا يريد العمل، وصار الاعتداء عليه بالكلام أو بالضرب من طرف المرضى روتينا يوميا لأن الحكومة بالغت في التدرع بالأطباء وتحميلهم مسؤولية عجز المنظومة الصحية، وتأتي بمن هب ودب وتعطيه أجرا زهيدا ليقف على أبواب المستشفيات وهو لا يملك حتى الدفاع عن نفسه، كما بالغت في سن القوانين التي تعاقب الأطباء على أدنى هفوة حتى إن قانون الصحة الجديد يوصف بكونه فصلا من قانون العقوبات؟؟

كما أضيف أن معظم ما يدرسه طلبة الطب في الكليات الجزائرية هو من قبيل الخيال العلمي لأنك قد تواجه بعض المناوبات في مدن كبرى كمدينة سيدي بلعباس بدون عصيات بولية bandelettes urinaires بل وبدون أنابيب نزع الدم tube FNS وبدون مقياس للضغط، بل لن تجد في الأيام العادية حتى تحليل المزرعة الدموية hémoculture أو التحاليل المناعية وغيرها الكثير، أضف أن الكثير من الأدوية الهامة غير متوفرة، بل إن مجرد نزع جسم غريب ابتلعه طفل يتطلب نقله لمسافة قد تصل لـ 400 كم من مدينة البيض لوهران، حتى إنني تألمت كثيرا عندما رأيت طفلة ماتت بسبب استنشاقها حبة عنب ولم يكن هناك عتاد أو مختصون لاستخراجها؟؟ كما بقي جهاز التصوير المقطعي الوحيد المتوفر بالمستشفى الجامعي الذي أعمل به منذ فترة قريبة في 2018 معطلا لعدة أيام؟؟ وهذا كله عايشته بنفسي وهو غيض من فيض، فكيف بتقنيات الجراحة الحديثة وأجهزة التنظير وPET Scan؟! ويزول العجب عندما تعلم أنه عند مرض أحد مسؤولي الجزائر فإن الطائرة ستُقّله مباشرة للعلاج في مستشفيات فرنسا، وليس لديهم أي تصور عن شكل المستشفيات التي يعالج فيها الفقراء والمقهورون، ثم يخرج علينا وزير الصحة السابق ويقول إن مستشفياتنا أفضل من مستشفيات السويد والدول الأوربية؟؟ ولا عجب كذلك أن تسمع أن 16000 طبيب جزائري يعمل بفرنسا وحدها، وأن عددا مقاربا لهذا يعمل في بلدان الخليج، على طريقة « أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ » ولا يزال نزيف النخبة من البلاد يتفاقم، وحال من بقي فيها كما قال الشافعي:
تموت الأسد في الغابات جوعا ولحم الضأن تأكله الكلاب
وعبد قد ينام على حرير وذو نسب مفارشه التراب

ثم بعد كل هذا لما يطالب الطبيب الجزائري بتحديث المنظومة الصحية وتوفير الإمكانيات والمساواة مع عمال القطاعات الأخرى والمساواة مع الأطباء الصينيين والكوبيين الذين يكلفون سكنا ومترجما وحصانة وأجرا يقدر بـ4000 دولار، مقابل ما لا يتجاوز 600 دولار شهريا للطبيب الجزائري المختص -يحصل عليها بالدينار طبعا عكس الأجنبي-، نجد الحكومة تنزع الرواتب عن أكثر من 10000 طبيب مقيم وتضربهم بالعصي وتجند وسائل إعلامها المسعورة لمهاجمتهم للتستر على عيوبها بهم وتخوفهم برؤساء المصالح بل وبالمقاضاة في المحاكم لأنهم طالبوا بأبسط حقوقهم المسلوبة؟؟ فمتى يا ترى تنعم الجزائر بيوم يكفُّ أبناؤها فيه عن الحلم بالطعام والشراب والمسكن والزواج ويرتقي فكرهم لما هو أعظم وأرقى؟؟

أتمنى أن يكون هذا المقال جزءا من الحل لأنه يمثل الصورة الواقعية التي يعيشها الطبيب الجزائري، والتي ينبغي على المواطنين والإعلاميين النزهاء تصورها جيدا وعدم إطلاق الأحكام المسبقة دون أخذها في الحسبان في انتظار حلول فعلية، وما قلته لا يعني بالضرورة عدم وجود بعض الإيجابيات في بعض المستشفيات الجزائرية فهناك والحمد لله بعض المظاهر التي تدعو للأمل، ولا يعني كذلك أن كل الأطباء ملائكة، لكن مطلبهم هذا حق لا خلاف فيه عند كل منصف عاقل غير مطبل، وما ضاع حق وراءه طالب. وكما قال الشاعر:
بلادي وإن جارت علي عزيزة وقومي وإن ضنوا علي كرام

Publication originale

Partagez!