سألوني لماذا هذا الصمود

28 مارس 2011، أتذكر جيدا ذلك اليوم، حين سمعت في قناة الراديو عن إضراب الأطباء المقيمين، و قبل ذلك سمعت عن تشكيل تنسيقية إسمها CAMRA. كنت حينها طبيبة عامة في مستشفى بالجنوب الكبير أمارس مهامي منذ 2004.

و قرأت مطالب الأطباء المقيمين حينها و تأملت مطلبهم في إلغاء القوانين المتعلقة بإجبارية الخدمة المدنية و إستبدال ذلك بشروط تحفيزية، و كأنهم يتحدثون عن واقع مر كنت أعيشه يوميا مع مرضايا و مع زملائي في إطار الخدمة المدنية. تمنيت حينها لو كنت طبيبة مقيمة و أحتج معهم لأجل هذا المطلب بالذات، لأني كنت أعيشه عواقبه و أتألم كل يوم و أرى و ألمم آلام زملائي و مرضاي.

أطباء جدد يأتون للجنوب الكبير كل سنتين، ننتظرهم و ننتظر معهم آلامهم و غبنهم.

أجل، كان المرضى يتوافدون عليهم حين يسمعون بقدومهم، و كلهم أمل في العلاج، لكن للأسف فأقل من 10% من هؤلاء المرضى يتلقونه في المستشفى، أغلبهم يعانون من أمراض مزمنة، و تقريبا 90% من المرضى يرسلون إلى هناك لأجل تحليل، أو أشعة، أو رعاية صحية في الشمال. و هؤلاء 10% يفتقدون أطباءهم بعد سنتين ليعيدو كرة العلاج من جديد مع طبيب آخر قادم من هناك من الشمال، و كأنهم هم كذلك مجبرين على علاج من نوع خاص مختلف و مع وجه جديد، كل سنتين.

ذهبت مع طبيبة إلى سكنها الوظيفي الذي أضطرت لكرائه بعيدا عن المستشفى، و إشترت بمالها الخاص جميع لوازمه، إشتكت لي غطرسة المدير و طرده لها من مكتبه، لأنها طالبت بأن يوفر لها جهاز إيكوقرافي لتشخص الأمراض في المستشفى بدل إرسالهم إلى مكان آخر.

نعم كنت طبيبة عامة لكني كنت مجبرة على إتقان بعض العمليات البسيطة التي لا يقوم بها إلا الأطباء المختصين. مجبرة لأني أسكن في المدينة و لا أخرج في عطلة خلال الصيف الساخن أين يغادر جميع الأطباء الأخصائيين إلى بلدانهم و أهلهم في الشمال و هو حقهم.

لا يبقى في المستشفى سوانا نحن الأطباء العامون، نصارع الزمن و سيارات الإسعاف لنقل المرضى هذا إذا تلقينا تصريح بنقلهم إلى المستشفيات في الشمال. طيلة السنة يموت الكثير من المرضى أمام أعيننا، كل و سبب موته، هذا كان يحتاج لعملية إستعجالية من طرف طبيب جراحة الحنجرة و الآخر كان يحتاج لأخصائي المعدة، و ذاك كان يحتاج لجهاز تصفية الدم للأطفال، و الكثير الكثير. أسباب وفاة تعود كلها في الأصل إلى إنعدام الوسائل و العتاد و بعض الإختصاصات للأطباء، التي نسمع بها و كأنها أحلام بعيدة المنال.

لم نر في حياتنا أخصائي جلد، أنف و حنجرة، قلب، جراحة مخ، جراحة القلب، جراحة الحروق، جراحة الجهاز البولي، أمراض السرطان، علاج الإشعاعي للسرطان، أخصائي الجهاز هضمي …

لم نر في حياتنا جهاز IRM، تحاليل روتنية نادرة، و الأجهزة المتوفرة في غالب الأحيان معطلة.

الغبن بعينه كان و مازال يعانيه مستشفانا بالجنوب، و المرضى يعانون منذ الأزل.

في ذاك التاريخ، 11 مارس 2011 ، قلت في نفسي أخيرا إنتفض الأطباء المقيمون، أخيرا عرفوا مكمن الجرح، سينقذوننا، ليتني كنت معهم، و لكن…
فض إضراب 2011 و سمعت بأن الوزير حينها أعطاهم وعودا بالإستجابة لتلك المطالب. إستبشرت خيرا و إنتظرت 2012 لا توجد إستجابة، 2013، 2014 و لا إجابة، 2015 ماذا تنتظر الوزارة ! 2016 و لا أثر لإستجابة بل العكس، فظروف الخدمة المدنية تتدهور أكثر فأكثر، و أطباء الخدمة المدنية يعانون الأمرين، بين مدراء لا يوفرون لهم الظروف الملائمة للعمل و أهل مرضى يتهمونهم بالإهمال و قضايا كثيرة لهم في المحاكم و نفس المدراء يعينون أنفسهم طرفا مدنيا و يشهدون ضد الأطباء. و مشاكل بالجملة لا يسعني النطاق لذكرها…

تساءلت، لماذا يا ترى، هل وعود الوزارة كانت كاذبة ؟ بالتأكيد هي كذلك. لكن إلى متى نبقى نعاني مع مرضانا، متى يسمع صوتنا ؟

نحن الآن في 2018 و أخيرا تحقق أمنيتي، ليس الإستجابة لمطالب 2011، لكن أمنيتي في أن أحتج كطبيبة مقيمة مع زملاء، جيل جديد، كله طموح، لا يعرف العودة للوراء، فخورة كوني مع هؤلاء الشباب الذي لا يقهر، و أطالب معهم بنفس تلك المطالب التي مر عليها 6 سنوات، لكن هذه المرة بعد درس جيد يدعوني للصمود معهم حتى الإستجابة على أرض الواقع لجميع مطالبنا، إن شاء الله.

— بقلم طبيبة مقيمة من الجنوب

Partagez!