أسرار الصمود

ربما لم تستوعب السلطة أنها تتعامل مع شباب، تواريخ ميلادهم بين 1987 و 1992 في أغلبها، ما يعني أنهم و في عهد العشرية السوداء كانوا يزاولون مراحلهم الإبتدائية، هم لا يتذكرون المجازر التي عاشتها الجزائر و إن حدثوهم عنها فلن يشعروا بالخوف كما يشعر به من عايشها.
شباب كان منسي في التسعينات و لم يخضع لبرامج تضليل العقول و إحباط العزائم و الذي مورس في السابق مع أبناء السبعينات و يمارس اليوم مع أبناء الألفين.

هم لا يخافون من الخطابات الكاذبة التخويفية كبعض الآباء و لا ينامون بسبب المخدرات و لا يمارسون العنف كبعض مراهقي اليوم.

فشباب 2018 عقولهم سليمة و حبهم للوطن لا يشوبه شك. هم شباب عندما كبروا كبرت معهم و رافقتهم تكنولوجيا الأنترنت و الهواتف النقالة و التي يعرفون كيف يستغلونها لأجل أمور و مشاريع بناءة و معارف لا يمكن لأحد في كل الجزائر أن يسبقهم لها.
بإختصار شباب 2018 هم الجيل الأكثر نضجا في الجزائر منذ 1962.

شباب يدركون خبايا القوانين و ثغراته فلا يستغلهم أحد أو يهددهم بذلك.

هم يتعلمون التاريخ من أفواه صانعيه و يأخذون منه العبر و الدروس و بهذا من غير المعقول أن يثقوا في وعود كاذبة و قوانين ليس لها أساس على أرض الواقع.

هم يعلمون أن حجج السلطة بالأزمة المالية و الظروف الإقتصادية ليس لها معنى أمام ما تشهده الساحة من وقائع و إن كان صرف أموال باهضة بحجة مشاريع إستعجالية أو مبرمجة مسبقا، ألم يكن من الأجدر إعتبار صحة المواطنين الجزائريين أمرا إستعجاليا ؟

و حتى السلطة الرابعة بدأت تعلم أن هؤلاء الشباب ليسوا مواطنين عاديين، و لإصدار تقارير و مقالات يجب اللجوء لهم و لصحافتهم الخاصة، فهم و بكل إحترافية قد أسسوا إعلامهم الخاص و لا يثقون إلا فيه.

لا داعي لإنتظار نتائج شبيهة بإضراب الأساتذة و تدخل أولياء الأمور، فسلاح السلطة قد دار عليها و لا يمكن لفئات كبتت فيها روح الثورة أن تثور على أبنائها و إخوانها، فالشعب تائه هنا و هناك لا يبحث إلا على صحة أفضل تماما مثل الأطباء المقيمين.

إبحثي أيتها السلطة عن معنى « فاقد الشيء لا يعطيه »، هل تطالبين شبابا بالإنسانية في حين هم يفتقدونها !
ضربوا بالعصي، أهينوا و لا داعي لذكر كرامة مدسوس عليها بأقدام الجميع منذ زمن بعيد.

شباب يدركون قوة الإحتجاجات التي تكمن في التضامن و الصبر على الشدائد و مواجهة التهديدات بكل عقلانية و موضوعية و بصورة قانونية يفرضها المنطق و الدستور الجزائري.

هم كذلك يعلمون أن تغيير أي شيء للأحسن يستوجب تضحيات في بلادهم، هم ضحو بدراستهم مع العلم أن مستوى الدراسة رديء، فهم عصاميين منذ دخولهم الجامعات و قبل ذلك كانوا يتحصلون على أحسن النتائج في مشوارهم الدراسي منذ الإبتدائي و يعتبرون نخبة المجتمع من حيث العلم و الثقافة.

فئة من هؤلاء الشباب تكون الأطباء المقيمين تخصصهم مجال الطب إضافة إلى مجالات أخرى متعددة، اللذين إختارو الشعبة التي تشترط أكبر معدل في الباكالوريا.

هل هناك شعبة للعلوم السياسية تشترط هذا المعدل ؟
لا طبعا و إن كان أبناء رجال السياسة يدرسون بالخارج كما هو معلوم فليس بالضروري أن يكونوا أحسن مستوى من شباب يمتلكون الموهبة و الصبر و المثابرة و حب العلم.

قاموا بإضراب للتعبير عن رفضهم لأوضاعهم و ظروف عملهم التي تنعكس على المواطنين، حتى وصولهم و بصعوبة كبيرة لدرجة التضحية بالمناوبات، كانت الصعوبة تكمن في المرضى، و هم يدركون أن حال المؤسسات الإستشفائية الجامعية ليس أبدا بخير بسبب سوء التسيير و لكن تضحية كهذه لها ثمار جيدة و قانونية، على خلاف الطابع الغير قانوني الذي كانوا مجبرين على العمل تحت لوائه و هم طلبة فقط.

هل تفهمت السلطة سبب صمود الأطباء المقيمين لمدة 7 أشهر متواصلة ؟
أم عليها أن تعيش في قلب كل طبيب مقيم و تتأمل معنى حب المهنة و الوطن و الألم المشترك، بين 15000 طبيب مقيم ؟
فكيف لحب المهنة أن يتناسب مع حب العمل ؟

في جزائر 2018 و في مهنة نبيلة يحبها كل من إختارها و إمتهنها، للأسف يجد نفسه شيئا فشيئا يكره العمل كطبيب في وطن عزيز لا يمكنه فراقه بسهولة.

بين المطرقة و السندان يحاول الأطباء المقيمون حب عملهم في مستشفيات بلادهم لأجل صحة مواطنيهم.

لهذه الأسباب كلها، هم لم و لن يستسلموا لأي ضغوطات تمنعهم من المسير نحو الأمام و مواصلة الصمود و لن تكون تضحياتهم أفضل من صحة أحسن للمواطن و كرامة للطبيب بعد الإستجابة لمطالبهم المشروعة.

— د. قاديري

Partagez!